الشنقيطي
135
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الروايات الصحيحة دلّ على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة ، وردّ هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة ، فلا مانع من التعدد ، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة . فإنه قال فيها ما نصه : وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى ، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق . فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها ، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص . وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب ا ه محل الحاجة منه بلفظه . ومن أدلتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال : « أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقام مغضبا ، فقال : « أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم ؟ » « 1 » وقد قدمنا أن وجه الاستدلال منه : أن المطلق يظن الثلاث المجموعة واقعة ، فلو كانت لا تقع لبيّن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنها لا تقع ؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه . وقد قال ابن كثير في حديث محمود هذا : إن إسناده جيد ، وقال الحافظ في بلوغ المرام : رواته موثقون وقال في الفتح رجاله ثقات ، فإن قيل غضب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب اللّه يدل على أنها لا تقع ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » « 2 » وفي رواية « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » « 3 » فالجواب أن كونه ممنوعا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع ، ويدل له ما سيأتي قريبا عن ابن عمر من قوله لمن سأله : وإن كنت طلّقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتّى تنكح زوجا غيرك ، وعصيت اللّه فيما أمرك به من طلاق امرأتك « 4 » ، ولا سيما على قول الحاكم : إنه مرفوع ، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح ويؤيده ما سيأتي إن شاء اللّه قريبا من حديثه المرفوع عند الدارقطني « 5 » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له : كانت تبين منك وتكون معصية ، ويؤيده أيضا ما سيأتي إن شاء اللّه عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة :
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الصلح حديث 2697 ، ومسلم في الأقضية حديث 17 ، وأبو داود في السنة حديث 4606 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 14 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الصلح حديث 2697 ، ومسلم في الأقضية حديث 18 ، وأحمد في المسند 6 / 146 ، 180 ، 256 ، 270 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الطلاق حديث 1 و 3 . ( 5 ) كتاب الطلاق حديث 84 .